شموخ في زمن الانكسار 7/8/2007


ها هو قرص الشمس ينغمس في غسق الليل .. ككرة دحرجتها في يمٍّ

ليبسط الظلام رداءه على الكون .. فيغمره بالسواد

وهنا توقفت عجلة الركض في ميدان الحياة ، لندخل إلى بيت من بيوت الله لأداء الصلاة ، فنغتسل من أدراننا ، ونتخفَّف من أحمالنا ، ونحطَّ من أوزارنا ، ويا له من حملٍ ثقيل !



دخلت إلى مسجدٍ صغير يجثم كالطود العظيم في حيٍّ فقير .. فالمنادي ينادي : حيَّ على الصلاة !



قطع دعائي ورجائي صوتٌ نحيل من شاب صغير تناول مكبِّر الصوت ليهتف : قد قامت الصلاة .. قد قامت الصلاة .



انسللت بين الناس لأقف معهم بين يدي مولاي ؛ أعرض نفسي عليه ، علَّه أن يقبلني ، ويا له من موقف ما أعظمه !



وإذا بفتىً صغير ، يقف في المحراب كعصفور هزيل يرفرف في عشٍّ جميل ..

التفت إلينا ثم هتف فينا : استووا .. اعتدلوا ...

عجباً له !



ما أشدَّ جرأته !

كيف يقتحم هذه العقبة الكؤود ، وفي القوم خلفه من هم أطول منه عمراً ، وأكبر سناً ، وأكثر علماً ، وأعلى منزلة ، وأزكى حسباً ونسباً ؟!

سلسلة من الأسئلة عصفت بي حتى غدوت بها كصخرة جامدة تلطمها أمواج البحر العاتية ..



انقطعت حبال أفكاري كسبحة تناثرت خرزاتها في كلِّ جانب بصوته النحيل ، وهو يقول : الله أكبر !



كبرنا بتكبيره ، وفي القلب ما فيه ، و إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبَّر فكبِّروا ..



وفجأة !

رأيتني كنسمة باسمة تصَّعَّدُ في السماء !

أبصرتني كطيف حالم يخترق حجب الفضاء !



سمعت ما لم أسمع من زمن ..

تلاوة خاشعة بصوتٍ شجيٍّ نديٍّ لطيف .. رفرف له القلب ، وأرهف له الحس ، وأصاخ له السمع ، وخشعت به الجوارح !



سألت نفسي في دهشة : أهذه الفاتحة التي أسمعها في كلِّ يوم !

أتبعها بغيرها من الآيات ..



فشعرت بدمعة حارَّة تنداح على صفحة خدِّي لتغسل ما في قلبي .. فيا لها من دمعة ! كم كنت أبحث عنها كواحةٍ في صحراء عمري ، وكمحطة راحةٍ من كبد حياتي .. هذا موعد هطولها كالغيث يهمي فوق روابي الحياة التي أجدبها الجفاف ..



وودت أن لا يركع .. فقد وجدت نفسي معه .. لكنه ركع ، ثم رفع .. ومضت بنا تلك الصلاة كأروع ما تكون !



قام الناس ، ولم أقم .. وحينما حان القيام ذهبت إليه وسلَّمت عليه ، وقلت له : ما اسمك يا بني ؟ فأجابني بنبرة واثقة باسمه ونسبه .

قلت : فكم تبلغ من العمر ؟ قال ـ وقد علته ابتسامة لطيفة : إحدى عشرة سنة !



قلت : فكم تحفظ من القرآن ؟

أطرق برأسه قليلاً ، ثم قال : أحفظه كاملاً ـ ولله الحمد والمنّة .

وددت أن أضمَّه إلى صدري ، وأن أقبَّله بين عينيه ، فقد ارتسمت أمامي أخيلة كثيرة لشباب الأمة في مثله سِنِّة ، ما أحلامهم ؟ واهتماماتهم ؟ وأعمالهم ؟



قلت : من قدَّمك لتصلي بالناس يا بني ؟

هنا رميته بعاصفة هوجاء .. تبعثرت كلماته .. تناثرت حروفه .. أعجزه الجواب !

ظنَّ أني جهة مراقبة ومحاسبة عليه ..



أردفت بالسؤال : من قدَّمك لتصلي بالناس ؟!

قال ـ وقد ارتج عليه : أبي !



قلت : لا ! لم يقدمك أبوك ، الذي قدمك هنا هو ؛ الله ! فإنّ الله تعالى يرفع بهذا القرآن أقواماً ويخفض به آخرين .


 


 

اطبع
http://www.hajs.net/?action=showMaqal&mid=219