البرنامج الشهري للمشرف

تنويه هام : الموقع لا يستقبل الفتاوى الشرعية

للمراسلة  
تساؤلات محرجة
كيف تذب عن عرضك
صور مشوهة
سر السعادة
كيف تحمي نفسك

يا للذلَّة بعد العزَّة، ما أقساها !

    أرسل الخبر إلى صديق

الشيخ : عبداللطيف بن هاجس الغامدي - 12/10/2007

ارحموا عزيز قومٍ ذلَّ !
ما أحوج من عزَّ شأنه بين الناس وعلا قدره بينهم إلى الرحمة والعطف بعد أن يفقد مكانه ويذوي سلطانه وتذهب هيبته!
وبالمثال يتَّضح المقال...

ففي سنة أربع وثمانين وأربعمئة استولى يوسف بن تاشفين أمير المسلمين على الأندلس وقبض على المعتمد بن عباد وهو من أكبر ملوك الطوائف بالأندلس وأخذ كل شيء يملكه، وترك أولاده فقراء، وحبسه بسجن أغمات، ودخل عليه يوم العيد بناته في السجن وهو مقيَّد بالأغلال ومُكبَّل بالسلاسل، وكُنَّ يغزلن للناس بالأجرة، حتى إن إحداهن غزلت لبنت صاحب الشرطة الذي كان في خدمة أبيها وهو في سلطانه فرآهن في أطمار رثة، وثياب بالية، وحالة سيئة، فصدَّعن قلبه وأحرقن فؤاده،

فأنشد يقول:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورًا
ترى بناتك في الأطمار جايعة
برزن نحوك للتسليم خاشعة
يطأن في الطين والأقدام حافية
قد كان دهرك أن تأمره ممتثلاً
من يأت بعدك في ملك يُسَرُّ به
  فساءك العيد في أغمات مأسورًا
يغزلن للناس ما يملكن قطميرًا
أبصارهن حسيرات مكاسيرًا
كأنها لم تطأ مسكًا وكافورًا
فردك الدهر منهيًّا ومأمورًا
فإنما بات بالأحلام مغرورًا !

ودخل عليه وهو في تلك الحال ولده أبو هاشم والقيود قد عضَّت بساقيه عضَّ الأسود، والتوت عليه التواء الحيَّات السُّود، وهو لا يريق دمعًا إلا ممتزجًا بدم بعد أن عهد نفسه فوق منبر وسرير، وفي وسط جنة وحرير، تخفق عليه الألوية، وتوضع له الشارات، فلما رآه بكى، وقال:


قيدي أما تعلَمُني مُسلمًا
دمي شراب لك واللحم قد
يُبصرنى فيك (أبو هاشم)
ارحم طفيلاً طايشًا لُبّه
وارحم أُخيَّات له مثله
منهن من يفهم شيئًا فقد
والغير لا يفهم شيئًا فما
  أبيتَ أن تشفق أو ترحمًا
أكلته لا تهشم الأعظمًا
فينثني والقلب قد هُشِّمًا
لم يخش أن يأتيك مسترحمًا
جرَّعتَهن السم والعلقمًا
خفنا عليه للبكاء العمى
يفتح إلا لرضاعٍ فمًا

وعندما رأى طائر قمرية بائحة بشجنها، نائحة بفننها على سكنها، وأمامها وكرٌ فيه طائران يرددان نغمًا، ويغردان ترنمًا، فتذكَّر ابنيه وأحبابه من أهله، فهيَّجت حُزنه، وأثارت ألمه، فقال لها يُناجيها:


بكت أن رأت إلفين ضمهما وكر
وناحت فباحت واستراحت بسرها
فما لي لا أبكي أم القلب صخرة
بكت واحدًا لم يشجها غير فقده
بُنيٌّ صغيرٌ أو خليلٌ موافق
ونجمان زَيْنٌ للزمان احتواهما
غدرت إذن إن ضن جفني بقطرة
فقل للنجوم الزهر تبكيهما معي
  مساء وقد أخنى على إلفها الدهر
وما نطقت حرفًا يبوح به سر
وكم صخرة في الأرض يجري بها نهر
وأبكي لآلاف عديدهم كثر
يمزق ذا قفر ويغرق ذا بحر
بقرطبة النكداء أو رندة القبر
وإن لومت نفسي فصاحبها الصبر
لمثلهما فلتحزن الأنجم الزهر


ومر عليه وهو في سجن أغمات في موضع اعتقاله سرب من طيور القطا، وهى تمرح في الجو وتسرح في البر، فتنكد بما هو فيه من الوثاق، وما دون أحبته من الرقباء والإغلاق، وما يقاسيه من كبله، ويعانيه من وجده، وفكر في بناته وافتقارهن إلى نعيمٍ عهدنه، وحبورٍ شهدنه، ثم سُلبن منه، فقال:

بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي
ولم تك والله المعيذ حسادةً
فأسرح لا شملي صديع ولا الحشا
هنيئًا لها أن لم يفرَّق جميعها
وإذ لم تبت مثلي تطير قلوبها
وما ذاك مما يعتريه وإنما
لنفسي إلى لقيا الحمام تشوُّف
ألا عصم الله القطا في فراخها
  سوارح لا سجن يعوق ولا كبل
ولكن حنينًا أن شكلي لها شكل
وجيع ولا عيناي يبكيهما ثكل
ولا ذاق منها البعد عن أهلها أهل
إذا اهتز باب السجن أو صلصل القفل
وصفت التي في جبلة الخلق من قبل
سواي يحب العيش في ساقه كبل
فإن فراخي خانها الماء والظلُّ

فعياذًا بالله من الذلَّة بعد العزَّة، والقلَّة بعد الكثرة، والحور بعد الكور !

[ ملحوظة: يراجع كتابي؛ قرة العين في دموع الوالدين ]


 


التعليقات
عنوان التعليق تاريخ التعليق
مثل مشابه 3/1/2008 م
عرض جميع التعليقات

برمجــــــــة
تطويـــــــــر

جميع الحقوق محفوظة  ©  للشبكة الإسلامية هاجس   2004  -  2007   
المملكة العربية السعودية  ص . ب  34416    جدة   21468 

تصميــــــم
بنـــــــــرات