البرنامج الشهري للمشرف

تنويه هام : الموقع لا يستقبل الفتاوى الشرعية

للمراسلة  
كيف تحمي نفسك
كيف تذب عن عرضك
صور مشوهة
تساؤلات محرجة

شموخ في زمن الانكسار

    أرسل الخبر إلى صديق

الشيخ : عبداللطيف بن هاجس الغامدي - 7/8/2007

ها هو قرص الشمس ينغمس في غسق الليل .. ككرة دحرجتها في يمٍّ
ليبسط الظلام رداءه على الكون .. فيغمره بالسواد
وهنا توقفت عجلة الركض في ميدان الحياة ، لندخل إلى بيت من بيوت الله لأداء الصلاة ، فنغتسل من أدراننا ، ونتخفَّف من أحمالنا ، ونحطَّ من أوزارنا ، ويا له من حملٍ ثقيل !

دخلت إلى مسجدٍ صغير يجثم كالطود العظيم في حيٍّ فقير .. فالمنادي ينادي : حيَّ على الصلاة !

قطع دعائي ورجائي صوتٌ نحيل من شاب صغير تناول مكبِّر الصوت ليهتف : قد قامت الصلاة .. قد قامت الصلاة .

انسللت بين الناس لأقف معهم بين يدي مولاي ؛ أعرض نفسي عليه ، علَّه أن يقبلني ، ويا له من موقف ما أعظمه !

وإذا بفتىً صغير ، يقف في المحراب كعصفور هزيل يرفرف في عشٍّ جميل ..
التفت إلينا ثم هتف فينا : استووا .. اعتدلوا ...
عجباً له !

ما أشدَّ جرأته !
كيف يقتحم هذه العقبة الكؤود ، وفي القوم خلفه من هم أطول منه عمراً ، وأكبر سناً ، وأكثر علماً ، وأعلى منزلة ، وأزكى حسباً ونسباً ؟!
سلسلة من الأسئلة عصفت بي حتى غدوت بها كصخرة جامدة تلطمها أمواج البحر العاتية ..

انقطعت حبال أفكاري كسبحة تناثرت خرزاتها في كلِّ جانب بصوته النحيل ، وهو يقول : الله أكبر !

كبرنا بتكبيره ، وفي القلب ما فيه ، و إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبَّر فكبِّروا ..

وفجأة !
رأيتني كنسمة باسمة تصَّعَّدُ في السماء !
أبصرتني كطيف حالم يخترق حجب الفضاء !

سمعت ما لم أسمع من زمن ..
تلاوة خاشعة بصوتٍ شجيٍّ نديٍّ لطيف .. رفرف له القلب ، وأرهف له الحس ، وأصاخ له السمع ، وخشعت به الجوارح !

سألت نفسي في دهشة : أهذه الفاتحة التي أسمعها في كلِّ يوم !
أتبعها بغيرها من الآيات ..

فشعرت بدمعة حارَّة تنداح على صفحة خدِّي لتغسل ما في قلبي .. فيا لها من دمعة ! كم كنت أبحث عنها كواحةٍ في صحراء عمري ، وكمحطة راحةٍ من كبد حياتي .. هذا موعد هطولها كالغيث يهمي فوق روابي الحياة التي أجدبها الجفاف ..

وودت أن لا يركع .. فقد وجدت نفسي معه .. لكنه ركع ، ثم رفع .. ومضت بنا تلك الصلاة كأروع ما تكون !

قام الناس ، ولم أقم .. وحينما حان القيام ذهبت إليه وسلَّمت عليه ، وقلت له : ما اسمك يا بني ؟ فأجابني بنبرة واثقة باسمه ونسبه .
قلت : فكم تبلغ من العمر ؟ قال ـ وقد علته ابتسامة لطيفة : إحدى عشرة سنة !

قلت : فكم تحفظ من القرآن ؟
أطرق برأسه قليلاً ، ثم قال : أحفظه كاملاً ـ ولله الحمد والمنّة .
وددت أن أضمَّه إلى صدري ، وأن أقبَّله بين عينيه ، فقد ارتسمت أمامي أخيلة كثيرة لشباب الأمة في مثله سِنِّة ، ما أحلامهم ؟ واهتماماتهم ؟ وأعمالهم ؟

قلت : من قدَّمك لتصلي بالناس يا بني ؟
هنا رميته بعاصفة هوجاء .. تبعثرت كلماته .. تناثرت حروفه .. أعجزه الجواب !
ظنَّ أني جهة مراقبة ومحاسبة عليه ..

أردفت بالسؤال : من قدَّمك لتصلي بالناس ؟!
قال ـ وقد ارتج عليه : أبي !

قلت : لا ! لم يقدمك أبوك ، الذي قدمك هنا هو ؛ الله ! فإنّ الله تعالى يرفع بهذا القرآن أقواماً ويخفض به آخرين .

 

 

برمجــــــــة
تطويـــــــــر

جميع الحقوق محفوظة  ©  للشبكة الإسلامية هاجس   2004  -  2007   
المملكة العربية السعودية  ص . ب  34416    جدة   21468 

تصميــــــم
بنـــــــــرات